الآلوسي

200

تفسير الآلوسي

أي يثبون ويبطشون بهم من فرط الغيظ والغضب لأباطيل أخذوها تقليداً ، ولا يخفى ما في ذلك من الجهالة العظيمة ، وكان المراد أنهم طول دهرهم يقاربون ذلك وإلا فقد سطوا في بعض الأوقات ببعض الصحابة التالين كما في " البحر " ، والجملة في موقع الحال من المضاف إليه ، وجوز أن يكون من الوجوه على أن المراد بها أصحابها وليس بالوجه . وقرأ عيسى بن عمر * ( يعرف ) * بالبناء للمفعول * ( المنكر ) * بالرفع * ( قُلْ ) * على وجه الوعيد والتقريع * ( أَفأُنَبِّئُكُمْ ) * أي أخاطبكم أو أتسمعون فأخبركم * ( بَشّر مِّنْ ذَلكُمُ ) * الذي فيكم من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلى عليكم * ( النَّارُ ) * أي هو أو هي النار على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة جواب لسؤال مقدر كأنه قيل : ما هو ؟ وقيل هو مبتدأ خبره قوله تعالى : * ( وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذينَ كَفَرُوا ) * وهو على الوجه الأول جملة مستأنفة ، وجوز أن يكون خبراً بعد خبر . وقرأ ابن أبي عبلة . وإبراهيم بن يوسف عن الأعشى . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما * ( النار ) * بالنصب على الاختصاص ، وجملة * ( وعدها ) * الخ مستأنفة أو حال من * ( النار ) * بتقدير قد أو بدونه على الخلاف ، ولم يجوزوا في قراءة الرفع الحالية على الأعراب الأول إذ ليس في الجملة ما يصح عمله في الحال . وجوز في النصب أن يكون من باب الاشتغال وتكون الجملة حينئذٍ مفسرة . وقرأ ابن أبي إسحاق . وإبراهيم بن نوح عن قتيبة * ( النار ) * بالجر على الإبدال من شر ، وفي الجملة احتمالا الاستئناف والحالية ، والظاهر معنى أن يكون الضمير في * ( وعدها ) * هو المفعول الثاني والأول الموصول أي وعد الذين كفروا إياها ، والظاهر لفظاً أن يكون المفعول الأول والثاني الموصول كأن النار وعدت بالكفار لتأكلهم * ( وَبئْسَ الْمَصيرُ ) * النار . * ( ياأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ والْمَطْلُوبُ ) * . * ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُربَ مَثَلٌ ) * أي بين لكم حال مستغربة أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مثلاً وتسير في الأمصار والأعصار ، وعبر عن بيان ذلك بلفظ الماضي لتحقق الوقوع ، ومعنى المثل في الأصل المثل ثم خص بما شبه بمورده من الكلام فصار حقيقة ثم استعير لما ذكر ، وقيل المثل على حقيقته و * ( ضرب ) * بمعنى جعل أي جعل لله سبحانه شبه في استحقاق العبادة وحكي ذلك عن الأخفش ، والكلام متصل بقوله تعالى : * ( ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً ) * * ( فَاسْتَمعُوا لَهُ ) * أي للمثل نفسه استماع تدبر وتفكر أو لأجله ما أقول فقوله تعالى : * ( إنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ من دُون الله ) * إلى آخره بيان للمثل وتفسير له على الأول وتعليل لبطلان جعلهم معبوداتهم الباطلة مثلاً لله تعالى شأنه في استحقاق العبادة على الثاني ، ومنهم من جعله على ما ذكرنا وعلى ما حكي عن الأخفش تفسيراً أما على الأول فللمثل نفسه بمعناه المجازي وأما على الثاني فلحال المثل بمعناه الحقيقي ، فإن المعنى جعل الكفار لله مثلاً فاستمعوا لحاله وما يقال فيه ، والحق الذي لا ينكره إلا مكابر أن تفسير الآية بما حكى فيه عدول عن المتبادر . والظاهر أن الخطاب في * ( يا أيها الناس ) * لجميع المكلفين لكن الخطاب في * ( تدعون ) * للكفار . واستظهر بعضهم كون الخطاب في الموضعين للكفار والدليل على خصوص الأول الثاني ، وقيل هو في الأول للمؤمنين ناداهم سبحانه ليبين لهم خطأ الكافرين ، وقيل هو في الموضعين عام وأنه في الثاني كما في قولك : أنتم يا بني تميم